الشيخ محمد رشيد رضا

359

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بما قبله للترغيب في الهجرة وتنشيط المستضعفين وتجرئتهم على استنباط الحيل لها ، لان الانسان يتهيب الامر المخالف لما اعتاده وأنس به ويتخيل فيه من المشقات والمصاعب ما لعله لا يوجد الا في خياله ، فبعد ان توعد التارك المقصر ، واطمع التارك المعذور في العفو إطماعا مبنيا على أن ذلك من شأن اللّه تعالى ان يفعله ، بين تعالى ان ما يتصوره بعض الناس من عسر الهجرة لا محل له ، وان عسرها إلى يسر ، ومن يهاجر بالفعل يجد في الأرض مراغما كثيرا أي متحولا من الرغام وهو التراب ، أو مذهبا في الأرض يرغم بسلوكه أنوف من كانوا مستضعفين له . أو مكانا للهجرة ومأوى يصيب فيه الخير والسعة فوق النجاة من الاضطهاد والذل ، فيرغم بذلك أنوفهم ، وفيه الوعد للمهاجرين في سبيل اللّه بتسهيل السبل وسعة العيش . وانما تكون الهجرة في سبيل اللّه حقيقة إذا كان قصد المهاجر منها إرضاء اللّه تعالى بإقامة دينه كما يجب وكما يجب تعالى ، ونصر أهله المؤمنين ، على من يبغي عليهم من الكافرين ، وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ المهاجر كسائر الناس عرضة للموت ولما وعد تغالى من يهاجر فيصل إلى دار الهجرة بالظفر بما ينبغي من وجدان المراغم والسعة ، وعد من يموت في الطريق قبل بلوغها بأجر عظيم يضمنه عز وجل له . فمتى خرج من بيته بقصد الهجرة إلى اللّه أي حيث يرضى اللّه وإلى نصرة رسوله في حياته ، ومثلها إقامة سننه بعد وفاته ، كان مستحقا لهذا الاجر ولو مات بعد مجاوزته عتبة الباب ولم يصب تعبا ولا مشقة ، فان نية الهجرة مع الاخلاص كافية لاستحقاقه له ، وقد أبهم هذا الاجر وجعله حقا واقعا عليه تبارك اسمه للإيذان بعظم قدره ، وتأكيد ثبوته ووجوبه ، والوجوب والوقوع يتواردان على معنى واحد ، ومنه قوله تعالى « فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها » أي سقطت جنوب البدن عندما تنحر في النسك ، وللّه تعالى ان يوجب على نفسه ما شاء وليس لغيره ان يوجب عليه شيئا إذ لا سلطان فوق سلطانه ، فأين هذا الوعد للمهاجرين في تأكيده وايجابه من وعد تاركي الهجرة لضعفهم وعجزهم من جعله محل الرجاء والطمع فقط ؟ لا يستويان وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً أي وكان شأنه الثابت